الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
311
نفحات القرآن
والآية الخامسة تتضمّن ما جاء على لسان سحرة فرعون عندما آمنوا بموسى عليه السلام ، بعد أن هددهم فرعون بالعذاب الأليم والتقتيل ، قال تعالى نقلًا عن لسانهم : « فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيرٌ وَأَبْقَى » . إنّ الإيمان بالقيامة وعدم الإكتراث بقيمة الحياة الدنيا ، دفع بالسحرةِ الفراعنة أن يمارسوا أقوى درجات الإيثار والتضحية ، فقد صرفوا أنظارهم عن جميع ما أعدّه لهم فرعون من الهدايا ، وصرفوا أنظارهم عن جميع الماديّات وذهبوا لاستقبال القتل والتنكيل ، ووقفوا بكل صلابة أمام استفزازات ذلك الطاغية الجبّار ، وشربوا شهد الشهادة بكل شجاعة . أجل عندما يبرق الإيمان بالمعاد في القلوب ، فإنّه يؤجج النّار فيها بنحوٍ لا ينفع معه أيّ تهديد ، فيفقد كل شيٍ أهميته في نظر الإنسان إلّااللَّه ولقاء الآخرة ونعيمها الخالد . إنّ هذا الإيمان القوي المتقد بدّلَ السحرة الذين كانوا بالأمس عبيد الدنيا وكانوا أذلة متملقين بدّلهم اليوم وحولهم إلى رجال أقوياء وشجعان صامدين « 1 » . والتعبير ب « الحَيَاةَ الدُّنْيَا » هو دليل على إيمانهم بالحياة الآخرة الخالدة السامية ، والآيات التي تتلو هذه الآية أيضاً قد صرحت بوضوح أكثر على إيمان هؤلاء بالدار الآخرة ومحكمة العدل الإلهي ، والجنّة والسعير والدرجات المختلفة لأصحاب الجنّة وأنواع النعم الخالدة في الجنّة . إنكار المعاد هو السبب الرئيسي لاقتحام الفجور : أشير في الآيات الخمس السابقة إلى الآثار الإيجابية للإيمان بالمعاد والحياة بعد الموت
--> ( 1 ) ذُكِرَ في تفسير جمله « والذي فطرنا » احتمالان الأول أنّ الجملة تدل على القسم - كما ذكرنا في تفسيرها أعلاه - والثاني أنّ الجملة معطوفة على جملة سابقة ، ففي هذه الحالة يصبح المعنى بهذا النحو : « قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات وعلى الذي فطرنا » لكنّ المعنى الأول أقرب على الأخص إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ السحرة في عدّة آيات كانوا يقسمون بعزّة فرعون ، وهنا أقسموا بخالق جميع البشر ! .